إدارة الوجهات السياحية: مفاهيم وأبعاد (1).. الدكتور محمد أبوحجيلة

/ / أخبار الجامعة

عمان – تُعَرَّفُ الوجهة السياحية بحسب منظمة السياحة العالمية على أنها تلك المساحة المادية التي يقضي فيها السائح ليلة واحدة على الأقل، وبحسب نفس المنظمة؛ فإن لهذه الوجهة حدود مادية وإدارية تحدد إدارتها، ولها صورة ذهنية تحدد قدرتها التنافسية في السوق، تتضمن الوجهات السياحية المحلية العديد من شركاء العمل بما يشمل المجتمع المضيف، ويمكن أن تتداخل هذه الوجهات معًا وتشكل شبكة لتكوين وجهات سياحية أكبر. قد تأخذ الوجهة السياحية أشكالاً متعددة، فقد تكون على شكل بلد كامل، أو منطقة جغرافية معينة، جزيرة، مدينة أو قرية، وقد تكون معلم مهم داخل بلد معين، كبرج إيفل أو الأهرامات على سبيل المثال لا الحصر.

تتكون الوجهة السياحية من مجموعةٍ من الوحدات التي تشكل مجتمعة عناصر قوتها وهي: عوامل الجذب الرئيسية للوجهة؛ ما بين الطبيعي منها والذي صنعه الإنسان، البنية التحتية والفوقية التي جاءت نتيجة لمساهمة القطاع العام والخاص، إمكانيات الوصول للوجهة السياحية (برا،  بحرا، جوا) ، الموارد البشرية أو المكون البشري من أيدي عاملة مدربة في الوجهة السياحية، الصورة الذهنية ومميزات الوجهة  السياحية التي تميزها عن غيرها من الوجهات السياحية إقليميا أو عالميا، واخيرا تكلفة الوجهة السياحية والامور المتعلقة بتفاصيل الأسعار التي تؤثر حتما على الوجهة السياحية وقدرتها التنافسية.

تُعَرِّفُ منظمة السياحة العالمية كذلك إدارة الوجهة السياحية على أنها تلك الجهود الادارية المنسقة التي تنظم عمل المكونات الرئيسية للوجهة السياحية، وهي إدارة تأخذ بالعادة بعداً استراتيجياً حتى تستطيع الربط والتنسيق بين هذه المكونات المستقلة نوعا ما، مما يؤدي إلى تنظيم كل ما له علاقة بالجهد والتكلفة وبما يحقق أهداف الوجهة السياحية التنافسية.

لا بد من التذكير هنا أنه وحتى يتم تنفيذ هذه الاستراتيجية بنجاح، فلا بد من التركيز على دعم هذه الاستراتيجية بخطة تسويقية موازية، وكذلك ضمان خدمات سياحية ترتقي لمستوى تطلعات السائح، وكل ذلك يجب أن يترافق مع وجود بيئة تشريعية مرنة تستوعب كل التطورات السريعة التي تشهدها صناعة السياحة عالميا.

لا بد من التذكير أيضاً أن هنالك لاعبين رئيسيين عند الحديث عن الإدارة الاستراتيجية للوجهة السياحيةن وهي الجهات التي تسمى بشركاء العمل وكذلك ما يسمى بال (DMO’s & DMC’s) والتي قد تكون منظمات حكومية، شبه حكومية أو خاصة.

إن أية عملية تستهدف إدارة الوجهة السياحية بشكل صحيح، لا بد لها من التفكير جدياً بالعناصر الرئيسية الأربعة في الوجهة السياحية؛ والتي يمكن تلخيصها حسب نموذج يسمى (VICE) لتشمل: الزائر، صناعة السياحة في الوجهة، المجتمع المحلي المضيف، وأخيراً البيئة والثقافة العامة التي تُغلف كل هذه العناصر وتَصبغها بصبغة معينة تميز الوجهة السياحية عن غيرها بحسب معطيات هذا النموذج.

وتبعاُ لنفس النموذج؛ فإنه يقع على عاتق القائمين على إدارة الوجهة السياحية (قطاع خاص وعام) العمل ضمن خطة واضحة ومنظومة جهود منسقة من أجل تحقيق مجموعة من الأهداف الرئيسية، تبدأ بالترحيب بالضيف والارتقاء بالخدمات التي تؤدي إلى رفع مستويات الرضا لديهم، ومن ثم العمل على ضمان أن تكون العملية السياحية برمتها مزدهرة و ذات جدوى اقتصادية، وبما يحقق الفائدة القصوى للمجتمع المضيف داخل الوجهة السياحية، وأخيرا حماية البيئة المحلية الحاضنة للعملية السياحية والثقافة المحلية، والعمل على تطويرها بما يضمن استدامتها بشكل سليم يحترمُ خصوصيتها.

بناء على ما سبق؛ فإنه يمكن القول إن عملية إدارة الوجهة السياحية تتم من خلال تنسيق جهود شركاء العمل واللاعبين الرئيسيين في القطاع، والذي يمكن تنفيذه من خلال آليات عمل تضمن مشاركة الجميع من القطاعين العام والخاص، بهدف الخروج بخطة إدارية (Destination Management Plan) توضح دور كل شريك ومدى مساهمته في تنفيذ بنود استراتيجية الوجهة السياحية، وتستثمر خبرات هؤلاء الشركاء ومهاراتهم إلى أبعد الحدود، وهو الشيء الذي لن يتم دون إفساح المجال لهم للمشاركة بفعالية، لأن الكل بمركب واحد، وإدارة الوجهة السياحية لا تتم بدون إشراك الجميع، لذلك فإنه لابد في هذا الإطار من توضيح الفوائد التي يتم جنيها في حال تمت إدارة الوجهة السياحية على مبدأ تشاركي بين القطاعين الخاص والعام بشكل  صحيح،  وهي الفوائد التي يمكن إجمالها بالتالي:

أولا: بناء ودعم الميزة التنافسية للوجهة السياحية (Establishing competitive edge).

ثانيا: ضمان عناصر الاستدامة في القطاع السياحي بشكل تشاركي سليم ويحقق اهداف المنظومة السياحية برمتها.

ثالثا: توزيع العوائد السياحية بشكل عادل على جميع الشركاء وبما يشمل المجتمعات المحلية.

رابعا: تحسين العوائد السياحية لان الكل مستفيد في حال الاستقرا ر السياحي والكل متضرر في حال وجود ازمات تعكر صفو العملية السياحية.

أخيرا: بناء صورة ذهنية وهوية مميزة للوجهة السياحية بفضل تطبيق مبدأ التشاركية وتوحيد الجهود لتصب في مكان واحد يخدم الوجهة السياحية بطريقة سليمة.

 

أخيرا، لا بد من التذكير أنه وفي هذا الوقت من عمر الأزمة التي يعيشها العالم الآن، يجب أن تنصب جهود الجهات القائمة على إدارة الوجهة السياحية على أمرين:

أما الأول، فهو وجوب التركيز على الموارد البشرية في قطاع السياح، وإنقاذها في هذه الفترة من ضنك العيش في ظل أزمة لا ترحم، حيث أن هذه الموارد هي بمثابة العمود الفقري للقطاع، والتي من ضمنها ايادي مدربة وكفاءات سياحية ترفع لها القبعات علما وخبرة؛ المحافظة على هذه الموارد يعتبر نتيجة طبيعة في حال كان هناك تفعيلا حقيقيا لمبدأ التشاركية في اتخاذ القرارات.

أما الأمر الثاني الذي يجب عدم إغفاله، هو أن عملية التسويق السياحي تعتبر عنصرا مهما من عناصر إدارة الوجهة السياحية، ولذلك لا بد من  القيام بجهود وحملات تسويقية تركز على السائح المحتمل، خصوصا في ظل ظروف الحجر الصحي عالميا، هذا السائح الذي يمر الآن بمرحلة ما يسمى بالحلم بزيارة وجهة سياحية معينة (Dreaming)؛ وهي المرحلة الأولى من رحلة السائح (Tourist journey)، وخلالها يكون السائح في طور التفكير بزيارة مكان معين ولكن لا زال قراره غير محسوم، ويحتاج فقط التحفيز ومساعدته على اختيار الوجهة الأنسب له، وهو ما يجب استثماره بضخ رسائل إعلامية دعائية تسويقية مركزة تحقق هذا الهدف وتساعده على التفكير جديا بالأردن كوجهة سياحية ليبدأ المرحلة التالية من عمر رحلته السياحية وهي التخطيط للرحلة (Planning).

كلُ ما سبق ذكره في هذا المقال،  والذي لا تتسع حدوده لتشمل كل تفاصيل إدارة الوجهة السياحية، وهوما سيتم تناوله في مقالات قادمة إن شاء الله، يصب في نفس الاتجاه، ليوضح بشكل مقتضب، المفاهيم والأبعاد الخاصة بإدارة الوجهة السياحية، وخصوصاً في ظل الحاجة لإدارة الوجهات السياحية بشكل سليم في فترة يعاني العالم بأسره من ازمة عالمية تفرض على الجهات القائمة على إدارة قطاع السياحة، من منظمات حكومية وخاصة، المزيد من الجهد والمرونة والتشاركية والتفكير استراتيجيا بهدف طرح حلول عملية، أو على أقل تقدير، تخفيف أثر الجائحة ليتمكن القطاع السياحي محليا من تجاوزها بأقل الخسائر، وبما يضمن ديمومة وجود المنشآت السياحية ذات الخبرة في المجال السياحي؛ لأن خروجها من السوق يعتبر خسارة قد يكون من الصعب تحمل نتائجها عند انتهاء هذه الأزمة بأذن الله.