في يوم السلامة العالميّ… مقاربة رُؤيويّة.. الدكتورة جمانة مفيد السّالم

/ / أخبار الجامعة

عمان – تحضُرني في هذه الأيام بقوّة ذكرى تلك اللقاءات وجلسات العصف الذهنيّ التي جمعت منتسبي جامعة الشرق الأوسط قبل ستّ سنين؛ لدراسة رؤية الجامعة ورسالتها دراسة عميقة مستفيضة، بهدف تطويرهما بما ينسجم مع تطوّر فلسفة التعليم العالي في الأردنّ، وزيادة حدّة المنافسة محليًّا وإقليميًّا في مجاله كمًّا ونوعًا، وكذلك المستجدات المتعلقة بمتطلبات سوق العمل، والتطورات الهائلة في مجال تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، والتوجّه الفعلي على المستويات كافة للبحوث العلميّة التطبيقيّة التي تخدم قطاعات الأعمال والمجالات الحيوية المختلفة؛ وقد أفضت تلك النقاشات إلى رؤية متميّزة للجامعة، رشيقة شكلًا عميقة مضمونًا، شكّلت أساسًا متينًا لخطتها الإستراتيجيّة مدة خمس سنوات خلت (2014- 2019)، وهي: جامعة جادّة، وملتزمة، وساعية للتعلّم. أمّا رسالتها فقد ارتكزت على ذلك الثالوث الذي تُبنى عليه الجامعات: التعليم، والبحث العلميّ، وخدمة المجتمع، فكانت: إعداد القادة من خلال تهيئة بيئة محفزة على التعلّم، والبحث العلميّ، وخدمة المجتمع، وذلك أمر مأمول تحقّقه في ظِلّ تلك الرؤية التي أصرّت الإدارة العليا للجامعة على الإبقاء عليها لسنوات خمس مقبلة، عند إعداد الخطة الإستراتيجية الجديدة لها للأعوام (2019- 2024)، وهو الأمر الي لفت انتباهي أيضًا لدرجة كبيرة.

ومن ثمّ، فقد عصفت مؤخرًا ببلدنا الأردن وببلاد العام أجمع أحداث جسيمة ارتبطت بتفشّي فيروس كورونا، الأمر الذي اضطرنا جميعًا لتحمّل تبعات الجائحة، وللرضوخ لنتائجها على المستويات كافة، وفي المجالات والقطاعات المختلفة؛ فوجدت نفسي حينئذ أستحضر مكوّنات تلك الرؤية التي طالما استوقفتني منذ تشكّلت، لأجد أنّنا في تعاملنا مع هذه الأزمة لم نكن بحاجة لأكثر من تطبيق محاورها الثلاثة: الجدّيّة، والالتزام، والسعي للتعلّم، على المستويين: الفرديّ والجمعيّ من جهة، وعلى الصعيدين: الرسميّ والشعبيّ من جهة أخرى.

ثمّ تكرّر الأمر في نفسي مجدّدًا وأنا أرقب احتفال العالم أجمع بيوم السلامة العالميّ الذي يوافق الثامن والعشرين من إبريل في كلّ عام، على اختلاف تسمياته: يوم السلامة والصحة المهنيّة، أو اليوم العالميّ للسلامة والصحة في مكان العمل، وغيرها؛ إذ إنّ ما يحدث حولنا في بلدنا الأردن على مستوى التوجّهات الحكومية في التعامل مع الأزمة بحيويّة وبسرعة استجابة، يعكس الإقبال على العمل بكلّ جديّة، وباجتهاد في الأداء، وقد انعكس ذلك بدوره على عموم أفراد الشعب الذي بذل على امتداد أيام عديدة وما يزال الوسع والمجهود والطاقة- وكلّها من معاني الجِدّ، وتعكس الجدّيّة- في سبيل النجاة من تبعات هذه الأزمة، والخروج منها بأقل الخسائر.

أما الالتزام فكان ديدنًا ومنهجًا، وطريقة، مارسته الدولة رسميًّا من خلال تحمّلها مسؤوليتها باستقلالية مشهودة، وبمهنيّة عالية، وقد تجلّى ذلك في تطبيقها خلال الأزمة مبادئ الحوكمة الرشيدة: المشاركة، والشفافية، والمساءلة، وكلّ منا يحتفظ دون أدنى شك بصور عديدة تمثل لذلك كلّه. وقد مارس الالتزام وطبّقه كذلك أفراد الشعب، وهم يعون في مجموعهم كلمات الرسالة الإعلامية التي كانت وما زالت توجّه لنا يوميًّا خلال الأزمة: ” التزامكم دليل وعيكم”، و” التزامكم هو السبيل الوحيد للنجاح، وكسر حلقة العدوى ومحاصرة الوباء؛ حتى نتمكّن من رفع الحظر بإذن الله”، و” التزامكم خلال الأيام المقبلة يعطينا الأمل والثقة بقرب الفرج بمشيئة الله، لكن لا بدّ من عدم التهاون، والتعامل بجدّيّة كبيرة مع التعليمات”، وغير ذلك من العبارات التي كانت تخاطب في كلّ منا ذلك الحس الوطنيّ بالانتماء والولاء؛ فتجبرنا على الرضوخ والاستسلام لقواعد حياتيّة جديدة، كتفعيل التباعد الجسدي، وتعزيز التقارب التكنولوجيّ، وممارسة التعلّم عن بعد، وإعادة أمجاد الاكتفاء الذاتيّ، والاعتماد على الذات في توفير الاحتياجات اليوميّة، وتدبير شؤون الحياة، وتوطيد التكافل الاجتماعيّ، وغير ذلك الكثير ممّا أفرزته هذه التجربة التي عشناها بأبعادها كلها، وتعايشنا معها مسلّمين مستسلمين.

ومن ثم فقد كان لتلك الجديّة ولذلك الالتزام الثمن المُنتظر، فها هي الدولة الأردنيّة الساعية دائمًا للتعلّم من تجاربها، ولاستثمار الفرص التي تُتاح لها، توظف هذه التجربة الصعبة الجديدة التي نمرّ بها، بتوجيهات ملكيّة سامية رافقت خطواتها كافة، وبمسؤوليّة عالية ستؤتي أكلها بإذن الله تعالى، لتؤكد لأبنائها أنها معهم وبهم ماضية في سبيل إيصالهم إلى برّ الأمان، وهي الآن آخذة في إعادة الحياة تدريجيًّا إلى مؤسساتهم، ومصانعهم، وشركاتهم، ومحالّهم التجارية، ومن ثم دور عبادتهم، ومدارسهم وجامعاتهم، وغيرها من أماكن عملهم، وتنقلهم، بعد اتخاذ إجراءات السلامة والوقاية الكافية ما أمكن، على مستوى التعليمات الموضوعة، والأداء الفعليّ، وبأعلى درجات الحيطة والحذر، وتحت رقابة مستمرة، ومتابعة حثيثة، تعكس جدّيتها في الأداء المطلوب، والتزامها بالمسؤوليات الجِسام، وسعيها للتعلّم من التجارب المترتبة على خوض أوامر الدفاع، وتنفيذ القرارات التي تَبذلُ في اتخاذها الوُسْعَ ليلًا ونهارًا بما يضمن مصلحة أبناء الوطن، ويجعلهم والأردن مثار اهتمام العالم أجمع، ومضرب مثل في جدّيّتهم، والتزامهم، وسعيهم للتعلّم من هذه التجربة العصيبة التي نمرّ بها.

ختامًا، أسأل الله جلّ وعلا أن يُحِلّ علينا بركات هذا الشهر الفضيل، فيكون بإذنه إيذانًا برفع هذا الوباء والبلاء، وبانتهاء أزمة كورونا في بلدنا الحبيب، وفي العالم أجمع، وأسأله كذلك أن يحفظ أصحاب الرؤى الثاقبة، والفكر المتّقد، والحسّ العالي بالمسؤوليّة الفرديّة والمجتمعيّة، وأن يُعينَهم على تحمّل مسؤولياتهم بأمانة واقتدار. وكلّ عام وأنتم جميعًا سالمون في بيوتكم، وفي قراكم وفي مدنكم، وفي أماكن عملكم، وفي أرجاء الوطن الغالي كافة.